القاضي عبد الجبار الهمذاني
49
متشابه القرآن
قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً « 1 » وإنما خصّ من يخشى بذلك ، من حيث اختص بأنه انتفع بالإنذار . ثم يقال للقوم : إن الدلالة على وجه يخص أو يعم ، لا تصح إلا على قولنا ؛ لأنه تعالى إن كان يخلق الطاعة والمعصية فسواء كانت الدلالة أو لم تكن ، فالحال واحدة ! لأنه إن أراد تعالى خلق ذلك فيهم وجد ، كان الكتاب أو لم يكن ، استدلوا به أو لم يستدلوا ، وإن لم يرد « 2 » ذلك لم يحصل على كل حال . ومن وجه آخر يدل على قولنا ؛ لأن وصف المتقى بأنه متق لا يصح إلا بأن يختار التحرز من المضار ، فيكون متقيا ، ومتى لم يختر ذلك لم يوصف به « 3 » ، فإن لم يكن للعبد فعل البتة ، فكيف يوصف بذلك ؟ ! وبعد ، فان التحرز والاتقاء إنما يصح - من العقاب - يفعل الطاعة ومجانبة المعصية ، فلو كان تعالى يخلق ذلك ، لكان يجب أن يكون دافعا للمضرة عنهم بخلق ذلك فيهم ، ولا يصح وصفهم بأنهم اتقوا ، كما لا يوصف من دفعنا عنه المكاره بأنه متق . وبعد ، فإن كان تعالى يفعل القبيح ، فكيف « 4 » الأمان من أنه لا يعاقب الطائع ! فتكون الطاعة ومجانبة المعصية تقوى ؟ وكل ذلك يدل على ما نقول . فمن العجب أن يتعلقوا بمثل ذلك مع دلالته على قولنا من هذه الوجوه ! 17 - مسألة : قالوا « 5 » : وقد ذكر فيها ما يدل على أن الذين كفروا لا يقدرون على الإيمان ، فقال : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ 6 ] فلو قدروا عليه لآمنوا لا محالة ؛ لأنه لا يصح
--> ( 1 ) من الآية 28 من سورة سبأ . ( 2 ) في د : يروا ( 3 ) في د : كأنه . ( 4 ) د : وكيف . ( 5 ) ف : وقالوا . ( م - 4 متشابه القرآن )